دع الأمر للأطفال تكتبه ضحى المصري
ارتفعت علامات تعجب عديدة عندما قررنا أن نعلن عن "إنقاذ الكوكب" كواحد من مواضيع النقاش في روضة مدرسة الفرندز قبل خمسة أعوام. وقد فجر الموضوع صدمة حينها لأنه كان يعني إنقاذ كوكبنا على يد أطفال بعمر 4 – 6 سنوات.
بدت مهمتنا في بدايتها غاية في التعقيد والصعوبة بحيث لا يمكن تحقيقها. وظلت على هذا الحال حتى بدأ الأطفال يسيرون بالفعل على مسار ملموس باتجاه إنقاذ كوكبنا الأرض.
تكونت المراحل الأولى من المشروع من زيارات لحديقة القيقب لتحديد اهتمامات الأطفال، وهناك في تراب القيقب تعرف الأطفال على دودة الأرض لأول مرة. لا يمكن أن ننسى ردة الفعل المذهلة على وجوه الأطفال وسعادتهم البالغة لطرح أسئلة حول دودة الأرض: ماذا تأكل؟ وأين تعيش؟
بالإضافة لمنافع دودة الأرض العديدة، فقد أصبحت ملهمتي لمشروع عالمي يسهل على الأطفال التمييز بين النفايات العضوية وغير العضوية والتي تعتبر إحدى أهم أسباب التلوث. عادة ما تسبب النفايات غير العضوية سوءا في الوضع الحيوي ولا يمكن لدودة الأرض الذكية أن تهضمها أو تستفيد منها.
وبدأنا بصنع السماد في بداية السنة في فناء روضتنا واستخدمنا بقايا الطعام والمياه والتربة وبعض ديدان الأرض الذكية مع الرغبة في العمل!
زاد فضول الأطفال كل يوم وهم يقدمون ما تبقى من طعامهم لدودة الأرض. "أيتها المعلمة، هل يمكن وضع هذا في السماد...؟ "إذا وضعنا فيه كيسا بلاستيكيا، ما الذي سيحدث له؟" وكان ردي: "ضعه ولنرى ما يحل به." "وماذا عن الأطباق البلاستيكية وحاويات العصير؟"، وكان الجواب على هذا السؤال شبيها بسابقه.
في شباط 2007، انضم إلينا السيد سعد داغر من حديقة القيقب ليرد على أسئلتنا ونحن نفتح حاوية السماد. بعد خمسة شهور لاحظ الأطفال عدم حدوث تغير على النفايات غير العضوية. وظلت الأكياس البلاستيكية في حالة ممتازة، بينما مرت بقايا الطعام العضوية مثل قشر الموز، وقشر التفاح، وكسرات الخبز بتغيرات كبيرة في الجوهر والمظهر. وعندما عاد الأطفال لفصولهم تعجبوا من مختلف الأشياء التي أتت من نفس كيس الغداء وكيف انتهى بها الحال نهاية مختلفة. بعد هذه التجربة، تمكن الأطفال من التمييز بين ما هو عضوي وما هو غير عضوي وتعلموا أكثر عن الآثار الخطيرة للنفايات غير العضوية على بيئتنا.
عندها بدأنا بمراقبة سلوكنا اليومي في المدرسة وفي البيت لنرى حجم النفايات غير العضوية التي ننتجها ومضارها المحتملة على الحاضر وتدميرها لمستقبلنا. وتعاون الأطفال مع ذويهم في هذا الجزء من المشروع. قام الأطفال بمساعدة ذويهم بتعبئة جداول تشمل على المواد غير العضوية التي يستخدمونها في حياتهم اليومية. وقد ذهلت من حماس الآباء والتزامهم وأنا ممتنة لهذا. وعندما أعاد الأطفال الجداول للمدرسة، قاموا بتلوينها وتعلموا أن هناك "أساليب حياة بيئية" متنوعة – مع الملاحظة بالغالب أن الأكثر سيء والأقل أحسن.
وعملنا على مهمة أخرى وهي تفحص سلال القمامة في الروضة. وهذا دفع الجميع إلى الوعي بانتشار استخدام أكياس النايلون ودعانا لأن نسأل أنفسنا عن سبب استخدامنا لهذا العدد الكبير وعما يحدث لتلك الأكياس عندما ننتهي منها.
وبينما كان الأطفال يصنفون القمامة ويملئون الجداول ويحللون الفقرات، كانوا يتعلمون كذلك العد والجمع والطرح والمقارنة وحتى بعض المفاهيم الرياضية الأكثر تعقيدا. وفيما كان الأطفال يحاولون إيجاد حل، كانوا يشاركون في التفكير المنطقي وحل المشكلة. والأهم من ذلك، تعلم الأطفال أن هناك دور يؤدونه في صنع التغيير وأنهم يستطيعون إحداث الفرق.
عندما تأملنا فيما تعلمناه وحاولنا تلخيصه، توصل الأطفال إلى صيغ مبسطة لسياسات تم التشديد عليها في قمم البيئة الدولية. الإجراءات الثلاث (التقليل، إعادة التدوير، وإعادة الاستخدام): استخدم سلة بدلا من اكياس النايلون عند التسوق؛ أحضر طعامك في علبة بلاستيكية قابلة لإعادة الاستخدام؛ اصنع السماد الطبيعي؛ إذا كانت لديك فرصة الوصول لمياه نظيفة، لا تشرب مياه معلبة؛ استخدم الحاويات الفارغة لغايات جديدة.
زار الأطفال كذلك بلدية رام الله حيث رحب بهم منسق دائرة البيئة واستمع لهم عندما طلبوا إليه عدم حرق أكياس النايلون وغيرها من النفايات السامة. "لنبحث عن حلول بديلة، حتى نحد من تلوث الهواء." هكذا قالوا.
وقد تمسك الأطفال بشدة بحلولهم وشجعوا بعضهم البعض على التقليل من استخدام أكياس النايلون وتنافسوا على "كأس أصدقاء البيئة." ولاحقا، عندما وزعت عليهم جداول جديدة ليعبئوها في البيت وليقيموا سلوكهم الشرائي، كانت النتائج مشجعة جدا. وكان هناك تراجع ملحوظ في استخدام أكياس التسوق البلاستيكية وزجاجات المياه. حتى أصحاب محال البقالة حيوا العائلات على استخدامها لأكياس التسوق القماشية (خرج المدرسة) من فترة ما قبل المدرسة.
وقد مكنتنا تلك التجربة من أن نطلب من المؤسسات البيئية والثقافية أن تدعم مشروعنا البيئي الإبداعي. كما تمكنا من إنتاج أكياس تسوق جديدة ومحسنة مع اسطوانة عرض مدمجة (دي في دي) تثقيفية تعرض تجربتنا. ومن خلال تمويل كريم من مؤسسة هينريش بول وتحت رعاية بلدية رام الله، تمكنا أيضا من تطبيق نشاطات أخرى في التثقيف البيئي في روضة مدرسة الفرندز للبنات، القيقب، ومع مدرسي مرحلة ما قبل المدرسة في محافظة رام الله، ومع ممثلين عن وزارة التربية والتعليم. وقد ساهم التعاون الفني الألماني وبرامج النفايات الصلبة في تمويل اثنين من مشاريعنا الجديدة: التوعية بشأن استهلاك المياه وعمل أغنية لمساعدة الأطفال على فهم أخطار التلوث.
كل هذا وما سيأتي بعده يستند إلى رؤية أطفال بعمر 4 – 6 سنوات – رؤية حول كيفية إنقاذ كوكبنا الوحيد والمعشوق.
ضحى المصري مديرة الروضة في مدرسة الفرندز للبنات في رام الله
ويمكن تحميل العدد 118 تحت عنوان http://www.thisweekinpalestine.com/
|