قبيل وبعد الإعلان عن فوز حركة حماس بغالبية مقاعد المجلس التشريعي، تدفق سيل هائل من الإعلاميين الغربيين وغيرهم لجس نبض وردة فعل عديد من النشيطات النسويات على هذا الفوز. في معظم المقابلات كان الأمر يصور حماس ك"طالبان" أفغانستان وكيف أنهم سيرجعون المرأة لعقود مضت من فصل بين النساء والرجال، لإجبار النساء على ارتداء الحجاب...الخ. قلة من النشيطات تساوقن مع هذا "الإطار" الجاهز لحماس وكثرة رفضته ورأت فيه محاولة ل"طلبنة" الخيار الذي أراده معظم الناخبين وبالتالي مقدمة "لوصم" الشعب وقيادته القادمة بالإرهاب وبالأصولية كمقدمة لضربه وضرب قضيته الوطنية. إذا كان خطاب العديد من الإعلاميين الغربيين عودة مرة أخرى لخطاب "الشرق" المفعم بالأصولية والتعصب والتباكي المنافق والمفتعل على مصير نسائه المقموعات دائما بسبب الدين والعادات والتقاليد التي لا تتغير أبدا. لا داعي هنا للتذكير بما آلت إليه أحوال نساء أفغانستان والآن العراق بعد الوعود الغربية البراقة "بتحريرهن" وتحسين أوضاعهن والتباهي بأن بعضهن وصل إلى سدة الحكم، على فوهات الدبابات الأمريكية بالطبع، متجاهلين الكوارث والمآسي اليومية التي أوقعوها على رؤوس هؤلاء النسوة وأسرهن.
أما "المخاوف" النابعة من عدم المعرفة ب"الآخر"، فهذا قد يعود لمغالاة الحركة النسوية العلمانية في قدرتها على "تمثيل" صالح النساء، كل النساء دون الرغبة في ملاحظة أن هناك قسما آخر من النساء أيضا ينمو بهوية مختلفة وبمطالب وأولويات مختلفة لا تعبر عنها بالضرورة التيارات الرئيسية في تلك الحركة. كما قد يعود أيضا لعدم بذلك الجهد الكافي سواء من الحركة النسوية أو نساء الحركة الإسلامية في فتح قنوات اتصال للتعارف ولتبادل وجهات النظر. وفي هذا الصدد، قد يكون من المفيد الإشارة لبعض النقاط التي قد تساعد في معرفة هذا "الآخر".
المتتبع لفكر حركة حماس منذ بلورة أول وثيقة عنه في 1989 والمعروفة باسم "ميثاق حماس"، نجد أن الحركة، وفي معرض توسعها وقوة شعبيتها، وأيضا لزيادة تلك الشعبية، كانت تطور وتبلور رؤيتها في كثير من القضايا بشكل مستمر. فمن رؤية "اليهود" كأعداء تاريخيين إلى رؤية "اليهود" الذين استوطنوا فلسطين عنوة وليس كل اليهود الذين لم يألوا المسلمين جهدا في حمايتهم وقبولهم على مدى التاريخ. ومن رؤية فلسطين "أرض وقف" بمجملها، إلى قبول أي شبر يحرر منها لإقامة دولة للفلسطينيين، ومن الجهاد الدائم حتى التحرير، إلى قبول هدنة مشروطة لحين. نفس التطور طرأ أيضا على النظرة للمرأة. فمن رؤيتها كمربية وراعية لأسرتها وبيتها مع "النصح" بعدم الإكثار من الطلبات على زوجها والاقتصاد والتدبير رأفة بالزوج والأسرة، إلى شريكة في النضال، وداعية للجهاد. ومن رفض قبول النساء في العمل العسكري "بدون محرم" إلى بناء وحدات عسكرية خاصة للنساء لإشراكهن كاملة في واجب التحرير. ومن خطاب يهاجم ويكفر ويخون النشيطات اللواتي طالبن بالمساواة وبمشاركة المرأة في كافة مجالات الحياة دون غبن أو تمييز، إلى خطاب ينتقد ويتساءل ويجادل: أين هي رؤية الحركة الإسلامية لقضية المرأة وذلك بعد الإقرار أن للمرأة قضية فعلا وأن هناك تمييز لا يمكن إغفاله (تبلورت هذه الرؤيا في العديد من الأوراق التي قدمت في مؤتمر المرأة الإسلامية السنوي الذي تقعده الحركة ابتداء من 1997 في قطاع غزة). هذه الرؤية عكست نفسها في كيفية معاملة حماس لكوادرها النسائية، فالكثير منهن ذوات تعليم عال، نشيطات في المجال العام سواء سياسيا أم اجتماعيا، يقدن سياراتهن، يعملن في أي مجال عمل متوفر، منتخبات في مناصب قيادية عليا...الخ. أي لا يمثلن النموذج "الطالباني" من قريب أو بعيد. كما أدى زيادة انخراط النساء في صفوف الحركة إلى الإعلان في عام 2003 إلى تشكيل "الحركة النسائية الإسلامية" ولأول مرة في تاريخ الحركة النسوية الفلسطينية والتي كانت، حتى الآن، ذات هوية وطنية علمانية.
إذا عدم المعرفة ب"الآخر" تستدعي اللقاء والحوار والرغبة الصادقة بالمعرفة بتواضع وإصغاء وبدون ادعاء تمثيل الجميع. أما من يرددن أن حماس ستفرض "الشريعة" على النساء فهذا قول يستدعي السخرية لأن ما يطبق على النساء، في فلسطين أو في كافة أرجاء الوطن العربي، هو الشريعة فعلا مع بعض محاولات الإصلاح هنا وهناك. حماس ليست ضد هذا التوجه فهي مع توحيد قانون الأحوال الشخصية وتحديثه ببعض الجوانب التي قد تبرز بشكل أوضح مع الوقت.
أما بعض الترقب، ولن أقول الخوف، الذي قد يكون له ما يبرره فيرجع لبعض التصريحات هنا وهناك الآتية من بعض النشطاء في الحركة والتي تدعو أو تبرر مثلا أنه: يجب عدم تحديد نسل النساء لان صراعنا مع العدو صراع ديموغرافي. هذا الشعار يجب أن لا ينطلق من رؤية فكرية مسبقة ولكن يجب أن يكون مؤسسا على دراسة اجتماعية، اقتصادية واعية على أثرها يطلق أو يغمر مثل هذا المطلب. فقد تكون قلة واعية، صحيحة العقل والبدن خير من كم كبير يفتك به الجهل والمرض والفقر. أو القول أن استشهاد عدد كبير من الرجال يستوجب الدعوة لتعدد الزوجات نظرا لزيادة عدد النساء عن الرجال. هذا قول يخالف الخطاب الذي يركز على سلامة وصحة وأمان الأسرة فلا شيء يهدم الأسر ويسبب المرارة والكراهية والحقد داخلها مثل زواج الرجل بأخرى والتي عادة ما تترافق مع إهمال المرأة والأسرة الأولى. وهنا نظر العديد من المشرعين العرب لخطورة هذا الأمر ما استجوب تقييد كبير على حرية الرجل في الزواج بأكثر من واحدة والانطلاق هنا وأولا من مصلحة الأسرة وأطفالها وليس رغبة الرجل فقط. أو أن يقال أن الزواج المبكر "سترة" وأيضا لتخفيف الفقر وزيادة النسل. هنا أيضا يجب تأسيس مطلب من هذا القبيل على الدراسات العلمية عن جسد المرأة وكمال نضجها جسديا وعقليا قبل الشروع في تسليم قيادة أسرة كاملة بعقل ينقصه النضج والمعرفة وجسم ينقصه الاكتمال.
إن التصريحات السابقة لا ترقى بعد لاعتبارها برنامجا متكاملا للحركة الإسلامية، وهو ما يعني أن هناك أرضية متسعة للحوار والجدل أحيانا والاشتباك الفكري أحيانا أخرى. إن الثقة المتبادلة ورؤية كل طرف للآخر كجزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، وليس غريبا طارئا لبعض الوقت، هو ما يجعل هذا الحوار والجدل ممكنا وأيضا مثمرا. كما أن تأكيد وترسيخ المبادئ التي وصلت على أساسها حماس إلى السلطة مثل التعددية، حرية التعبير والرأي، حرية التنظيم وضمان وصيانة الحريات المدنية، السياسية والاجتماعية فهي الضمانة الحقيقية للنساء، كل النساء، سواء كن في تنظيمات إسلامية أم علمانية.